محمد بن عمر التونسي

221

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

وثيابه ووجهه ، فلما شمّ الرائحة الكريهة ، صاح يشتم ، فقالوا له : اسكت ، هذه الليلة فعلنا هذا معك ، والليلة القابلة إن عارضتنا قتلناك . فأيقظ الرجل أهله ، وجاءوه بماء ، فاغتسل وتطيّب ونام وخاف منهم ، فلما أصبح أفرد لابنته حجرة لنومها قهرا عنه ، وجرت عليها عادتهم . وإن كان غنيّا صاحب حشمة وأبّهة وعبيد وخدم ، يتحيّلون في الدخول إلى الحريم بالليل ، ولو على زىّ النساء . ومن ذلك ما اتّفق أن رجلا من أكابر الناس ، له سبعة أولاد ذكور « 1 » ، وله بنت واحدة ، وكانت فريدة حسن ، وقد خطبها منه أناس كثيرون فأبى عليهم ، فحين طال الأمد على البنت ، تحيّلت وأدخلت شابّا لطيفا من الشجاعة بمكان ، فمكث عندها ما شاء اللّه أن يمكث ، وافتقده أهله فلم يعرفوا له جهة . فاتفق أنه أتى بشراب فشرب ، ولما أخذته النشوة طلب الخروج فقالت له البنت : أصبر « 2 » إلى الليل . فأبى وقال : لا أخرج إلّا الآن . وغلب عليها وخرج ، وكان أبوها وإخوتها جالسين على باب بيتهم ، فما شعروا ( 199 ) بالشاب إلّا وهو خارج ، فصاح أبوهم على بوّاب البيت : اقفل الباب . فلما قفل الباب أمر العبيد بالقبض عليه . فاجتمعت العبيد ليقبضوا عليه ، فجرح منهم أناسا وامتنع عليهم ، فخرج الأولاد السبعة مجرّدين السلاح عليه ،

--> ( 1 ) في الأصل : ذكورا . ( 2 ) كذا في الأصل بهمزة مفتوحه ، وهي لهجة سودانية وهذه قاعدة مطردة في فعل الأمر ، إذ يفتحون همزته باستمرار ، عدا بعض الأفعال الشاذة .